القاضي عبد الجبار الهمذاني

156

شرح الأصول الخمسة

ذلك ، أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعا حكيما ، وإن لم يخطر بباله أنه هل يرى أم لا ، ولهذا لم نكفر من خالفنا في هذه المسألة ، لما كان الجهل بأنه لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته . ولهذا جوزنا في قوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] أن يكون سؤال موسى عليه السلام سؤالا لنفسه ، لأن المرئي ليس له بكونه مرئيا حالة وصفة . وعلى هذا لم نجهل شيخنا أبا علي بالأكوان حيث قال إنها مدركة بالبصر . إذا ثبتت هذه الجملة فاعلم أنه رحمه اللّه بدأ بالاستدلال على هذه المسألة بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) [ الأنعام : 103 ] ووجه الدلالة في الآية ، هو ما قد ثبت من أن الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر ، ونجد في ذلك تمدحا راجعا إلى ذاته ، وما كان من نفيه تمدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا ، والنقائص غير جائزة على اللّه تعالى في حال من الأحوال . فإن قيل : ولم قلتم إن الإدراك إذا اقترن بالبصر لم يحتمل إلا بالرؤية ؟ قلنا : لأن الرائي ليس بكونه رائيا حاله زائدة على كونه مدركا ، لأنه لو كان أمرا زائدا عليه لصح انفصال أحدهما عن الآخر إذ لا علاقة بينهما من وجه معقول ، والمعلوم خلافه . وبعد : فإن الإدراك إذا أطلق يحتمل معاني كثيرة ، فقد يذكر ويراد به البلوغ ، يقال : أدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وقد يذكر ويراد به النضج والإيناع ، يقال : أدرك الثمر إذا أينع ، فأما إذا قيد بالبصر فلا يحتمل إلا الرؤية على ما ذكرناه ، وصار الحال فيه كالحال في السكون فإنه إذا قرن بالنفس لا يحتمل إلا العلم ، وإن احتمل بإطلاقه شيئا آخر . يبين ما ذكرناه ، أنه لا فرق بين قولهم أدركت ببصري هذا الشخص وبين قولهم رأيت ببصري هذا الشخص ، ورأيت ببصري هذا الشخص ، أو أبصرت ببصري هذا الشخص ، حتى لو قال أدركت ببصري وما رأيت ، أو رأيت وما أدركت ، لعد مناقضا . ومن علامات اتفاق اللفظين في الفائدة ، أن يثبتا في الاستعمال معا ويزولا معا ، حتى لو أثبت بأحدهما ونفي بالآخر لتناقض الكلام ، وبهذه الطريقة نعلم اتفاق الجلوس والقعود في الفائدة وغيرها من الأسامي . فإن قيل : كيف يصح قولكم إن من علامات اتفاق اللفظتين في الفائدة أن يثبتا في